صديق الحسيني القنوجي البخاري

585

فتح البيان في مقاصد القرآن

ويمكن أن يقال بين الكلامين فرق ، فكلام اللّه سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلا من اتبعه من الغاوين ، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس ، وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلا المخلصين ، فدخل فيهم من لم يكن مخلصا ولا تابعا لإبليس غاويا . والحاصل أن بين المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس ، وقد قيل إن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون ويدل على ذلك قوله تعالى : إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [ النحل : 100 ] قال أبو السعود : وفيه مع كونه تحقيقا لما قاله اللعين تفخيم لشأن المخلصين ، وبيان لمنزلتهم ، ولانقطاع مخالب الإغواء عنهم وإن اغواءه للغاوين ليس بطريق السلطان بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 43 إلى 52 ] وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 43 ) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 45 ) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ( 46 ) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 47 ) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ( 48 ) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ( 50 ) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ( 51 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ( 52 ) ثم قال اللّه تعالى متوعدا لأتباع إبليس وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أي موعد المتبعين الغاوين أَجْمَعِينَ تأكيد للضمير أو حال لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ يدخل أهل النار منها وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ أي من الأتباع الغواة جُزْءٌ مَقْسُومٌ أي نصيب وقدر معلوم متميز عن غيره . والجزء بعض الشيء ، وجزأته جعلته أجزاء ، والمراد هنا بالجزء الحزب والطائفة والفريق وقيل المراد بالأبواب الأطباق طبق فوق طبق . قال ابن جريج : النار سبع دركات وهي : جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية . فأعلاها لعصاة الموحدين ، والثانية لليهود ، والثالثة للنصارى ، والرابعة للصابئين والخامسة للمجوس ، والسادسة للمشركين ، والسابعة للمنافقين ، فجهنم أعلى الطبقات ثم ما بعدها تحتها ، ثم كذلك ، كذا قيل . والمعنى أن اللّه تعالى يجزئ أتباع إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل جزء وقسم دركة من النار ، والسبب فيه أن مراتب الكفر والمعاصي مختلفة ، فلذلك اختلفت مراتبهم في النار . قال الخطيب : تخصيص هذا العدد لأن أهلها سبع فرق ، وقيل جعلت سبعة